الآلوسي

96

تفسير الآلوسي

عليه بما قرره الرضى وغيره من أنه يمتنع أن يخاطب في كلام واحد اثنان من غير عطف أو تثنية أو جمع لأنه بعد التنزيل لا تعدد ، وجوز أن يكون ذلك لأنهم حينئذ غير مخاطبين في الحقيقة فخطابهم في حكم الغيبة ، وقيل : الامتناع المذكور مشروط بأن يكون كل من المخاطبين مستقلاً أما إذا كان أحدهما داخلا في خطاب الآخر فلا امتناع كما يعلم من تتبع كلامهم ، وحينئذ يجوز أن يراد خطاب الأمة أيضاً من غير تغليب ، والكلام في ذلك طويل وما ذكر سابقاً سالم عن القال والقيل * ( وَتُعَزِّرُوهُ ) * أي تنصروه كما روي عن جابر بن عبد الله مرفوعاً وأخرجه جماعة عن قتادة ، والضمير لله عز وجل ، ونصرته سبحانه بنصره دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم * ( وَتُوَقّرُوهُ ) * أي تعظموه كما قال قتادة وغيره ، والضمير له تعالى أَيضاً ، وقيل : كلا الضميرين للرسول صلى الله عليه وسلم وروي عن ابن عباس ، وزعم بعضهم أنه يتعين كون الضمير في * ( تعزروه ) * للرسول عليه الصلاة والسلام لتوهم أن التعزير لا يكون له سبحانه وتعالى كما يتعين عند الكل كون الضمير في قوله تعالى : * ( وَتُسَبِّحُوهُ ) * لله سبحانه وتعالى ، ولا يخفى أن الأول كون المضيرين فيما تقدم لله تعالى أيضاً لئلا يلزم فك الضمائر من غير ضرورة أي وتنزهوا الله تعالى أو تصلوا له سبحانه من السبحة * ( بُكْرَةً وَأَصيلاً ) * غدوة وعشيا ، والمراد ظاهرهما أو جميع النهار ويكنى عن جيمع الشيء بطرفيه كما يقال شرقاً وغرباً لجميع الدنيا ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما صلاة الفجر وصلاة الظهر وصلاة العصر ، وقرأ أبو جعفر . وأبو حيوة . وابن كثير . وأبو عمرو الأفعال الأربعة - أعني لتؤمنوا وما بعده - بياء الغيبة ، وعن ابن مسعود . وابن جبير كذلك إلا أنهما قرآ * ( ويسبحوا الله ) * بالاسم الجليل مكان الضمير ، وقرى الجحدري * ( تعزروه ) * بفتح التاء الفوقية وضم الزاي مخففاً ، وفي رواية عنه فتح الاتء وكسر الزاي مخففاً وروي هذا عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه ، وقرئ بضم التاء وكسر الزاي مخففاً ، وقرأ ابن عباس . ومحمد بن اليماني * ( تعززوه ) * بزاءين من العزة أي تجعلوه عزيزاً وذلك بالنسبة إليه سبحانه بجعل دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم كذلك . وقرئ * ( وتوقروه ) * من أوقره بمعنى وقره . * ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) * . * ( إنَّ الَّذينَ يُبَايعُونَكَ ) * يوم الحديبية على الموت في نصرتك كما روي عن سلمة بن الأكوع وغيره أو على أن لا يفروا من قريش كما روي عن ابن عمر . وجابر رضي الله تعالى عنهم ، وسيأتي الكلام في تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى ، والمبايعة وقعت قبل نزول الآية فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحال الماضية ، وهي مفاعلة من البيع يقال : بايع السلطان مبايعة إذا ضمن بذل الطاعة له بما رضخ له ، وكثيراً ما تقال على البيعة المعروفة للسلاطين ونحوهم وإن لم يكن رضخ ، وما وقع للمؤمنين قيل يشير إلى ما في قوله تعالى : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) * الآية * ( إنَّمَا يُبَايعُونَ الله ) * لأن المقصود من بيعة الرسول عليه الصلاة والسلام وإطاعته إطاعة الله تعالى وامتثال أوامره سبحانه لقوله تعالى : * ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) * ( النساء : 80 ) فمبايعة الله تعالى بمعنى طاعته سبحانه مشاكلة أو هو صرف مجاز ، وقرئ * ( إنما يبايعون لله ) * أي لأجل الله تعالى ولوجهه ، والمفعول محذوف أي إنما يبايعونك لله * ( يَدُ الله فَوْقَ أَيْديهمْ ) * استئناف مؤكد لما قبله لأنه عبارة عن المبايعة ، قال في الكشاف لما قال سبحانه : * ( إنما يبايعون الله ) * أكده على طريقة التخييل فقال تعالى : * ( يد الله فوق أيديهم ) * وانه سبحانه منزه عن الجوارح وصفات الأجسام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما . وفي المفتاح أما حسن الاستعارة التخييلية فبحسب حسن الاستعارة بالكناية متى كانت